من جزيرة صغيرة في عمق الأطلسي، صعد صاروخ ماديرا للتحليق فوق سماء القارة العجوز، حاملا طموحا واضح لإخضاع كل الصعوبات، ومتخذا من الجهد المضعف وسيلة لرسم اسمه في ذهن البشرية، استطاع بعقليته الأسطورية تكسير كل الأرقام، ولتحقيق كل هذه الإنجازات، استند رونالدو لشخصيته القوية، ولولا هذه الكاريزما لما استمر حتى اللحظة، وذلك لشدة موجها له، فمنذ أن ابتدأ مسيرته والإعلام يكن له العداء، ولا يتوانى عن إخفاء ذلك.
فاللاعب الذي قرب ال40 ولا زال في قمة مستواه أطلقت عليه الصحف لقب المنتهي وهو في الثامن وال20 من عمره، ولا أحد يعرف سبب الأمر، فالبرتغال الذي لم ينخفض مستواه أبدا سرعان ما أصبح مادة دسمة لتناول السلبيات عنه في كل الوسائل، عكس مسلم دلل إعلاميا.

فلنبدأ من آخر المواقف، على سبيل المثال، عندما كان رونالدو بلا نادي، أزعجت العناوين الصحفية العالم بأن رونالدو يعرض نفسه على الأندية ولا أحد يريده، وتمت مقابلة انتقاله للنصر السعودي بالتنمر، بينما ميسي عندما وقع في موقف مشابه تم تضخيم التنافس بين الهلال وميامي، والمبالغة في العروض المقدمة، وكأنها خيارات تليق بمسيرة النجم الأرجنتيني، أيضا اللاعب الذي صنع أمسيات لا تنسى في الأبطال والتي تعتبر أصعب بطولة في العالم.
وكسر كل الأندية الكبيرة، تم التعامل معها كشيء عادي، بينما لو حصل وأن تلقى فضائح كر منتضات التي حصدها ميسي، أو خسارته بالثمانية لجعلها الإعلام عار يلاحق كريستيانو إلى الأبد.

أيضا ليس الإعلام وحدة، ولا مدربي الخصوم أمثال كلوب وسيميوني وجوارديولا من استفزتهم شخصية رونالدو القوية، وظهروا بتصريحات ضده، بل رفاقه أيضا، فمنذ أول احتراف كبير تعرض للنذ ومحاولة التدمير، ولا زال زملاء تلك الحقبة يشتموه حتى اللحظة، يتصدر هم جارينيفل واروني، بالإضافة إلى زملاء لاحقين انقلبوا عليهم مؤخرا كجارتبيل مثلا، بيريز أيضا انزعج من حب رونالدو لنفسه، وأراد إهانته بعد أن غادر بحذف صوره من أرشف النادي ومنح رقمه المفضل إلى لاعبي الناشئ ومجهول.
حتى أبناء بلده لم يتردد من إبداء الانزعاج منه كبرون وكانسيلو وبرناردو مؤخرا، وقبلهم شتيمة سبيشلون على العلن، ومع ذلك تمسك رونالدو بالكاريزمات التي لديها دون أدنى تنازل.

وبلا مبالاة بما سيفقده، استمر رونالدو في التحدي، وحوله الخصوم يتكاثرون، وفي فترة ما، وصل ذلك العداء أعلى مراحله، حين تخل رؤساء المؤسسات الرسمية عن تحفظهم، لدرجة أنه لم يحصل بأن تم السخرية من لاعب ولو متوسط من قبل أشخاص يدير أعلى الهيئات الكروية، كما حدث مع رونالدو، فبلاتيني لم يتوانى ولو للحظة عربية تصريحات المعادية لابن ماديرا، ولا زال مقطع بلاتر الشهير عالقا في ذهن الجمهور.
وفي بعض الفترات، كان دون واحدا ضد الجميع، ولم يهادن قط. وصل الأمر ذلوته عندما سفر الجمهور ضده. الجمهور الذي من المفترض أن يدعمه بقي يشتمه، وكان ذلك يكفي لأن يدمر أي لاعب، لكن روماندو وحدة من قبل التحدي، لتنتهي القصة لصالحه، ويعلن انتصاره بإشاراته الشهيرة لجمههير البرنابيو بأن يصمتوا عن إزعاجه بالسفيرات في واحدة من أكتر لقطات جرأة وشجاعة.
الثقة العالية التي تمتع بها على الدوام كانت تساعد في تقديم مصلحته دون مراعاة لمشاعر الآخرين، فمع وصول إلى أعلى سلم النجومية في 2009، حتى قال لمن صنعه آسف أيها السير لينتقل إلى نادي أحلام هري مدريد، وبعد مسيرة خارقة في الميرنجي، رفض فكرة عدم التقدير الكافي بمبرر أن النادي فوق الجميع، ليغادر دون وداع، وعندما بذله بأن أليجري يفكر بأشياء لا تسره، لم يبقى لحظة واحدة، وبعد عودته إلى منزله القديم.
وجد رجلا هولندي لم يحقق شيء، يجهل تاريخ ابن ماديرة، عندها فقد أعصابه ليظهر في مقابلته الشهيرة ضد الجميع، فشخصية قوية مثله كان لا بد أن يتحلى بأعلى درجات الصدق دون أن يخشى الثمن الباهظ الذي قد يدفعه، فالشفافية دفعته في لحظة ما لمواجهة واحدة من كبرى الشركات العالمية، شركة كوكاكولا، فقط لأنه شعر بأن لديه رسالة، وأراد إيصالها.
وبعد 20 عام، هناك من لا زال ينتقد شخصيته قائلا أن النرجسيته فقط كل ما هو معقول، لكن هؤلاء لا يعرفون بأن هذا التقدير المبالغ به هو كل السر في صناعة أعظم قصة نجاح لإنسان عبر التاريخ، فسيرة التي خطها رونالدو تجاوزت حدود كرة القدم، لأن فيها من الكفاح والمثابرة ما يكفي لمنح الإلهام والحافزة لكل سكان المجرة.